كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ} أي: الشيطان، أو التناجي المذكور {شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بمشيئته {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: بالمضي في سبيله، والاستقامة على أمره، وانتظار النصر على أثره.
لطيفة:
قال القاشانيّ: إنما نهوا عن النجوى لأن التناجي اتصال واتحاد بين اثنين في أمر يختص بهما، لا يشاركهما فيه ثالث. وللنفوس عند الاجتماع والاتصال تعاضد وتظاهر، يتقوى ويتأيد بعضها بالبعض فيما هو سبب الاجتماع لخاصية الهيئة الاجتماعية التي لا توجد في الأفراد، فإذا كانت شريرة يتناجون في الشر، ويزاد فيهم الشر، ويقوى فيهم المعنى الذي يتناجون به بالاتصال والاجتماع، ولهذا ورد بعد النهي قوله: {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ} الذي هو رذيلة القوى البهيمية {وَالْعُدْوَانِ} الذي هو رذيلة القوى الغضبية {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} التي هي رذيلة القوة النطقية، بالجهل وغلبة الشيطنة، ألا ترى كيف نهى المؤمنين بعد هذه الآية عن التناجي بهذه الرذائل المذكورة، وأمرهم بالتناجي بالخيرات، ليتقووا بالهيئة الاجتماعية، ويزدادوا فيها فقال: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ} أي: الفضائل التي هي أضداد تلك الرذائل، من الصالحات والحسنات المخصوصة بكل واحدة من القوى الثلاث، {وَالتَّقْوَى} أي: الاجتناب: عن أجناس الرذائل المذكورة، انتهى.
قال ابن كثير: وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، حيث يكون في ذلك تأذّ على مؤمن. روى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه» انفرد بإخراجه مسلم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} تعليم منه تعالى للمؤمنين بالإحسان في أدب المجالس، وذلك بأن يفسح المرء لأخيه ويتنحى توسعة له.
قال الشهاب: وارتباطه بما قبله ظاهر؛ لأنه لما نهى عن التناجي والسرار، علم منه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه، ورتب على امتثالهم فسحة لهم فيما يريدون التفسح، من المكان والرزق والصدر.
قال ابن كثير: وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة. ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ولهذا أشباه كثيرة.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضَنَّوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.
{وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا} أي: انهضوا للتوسعة، أو ارتفعوا في المجالس، أو انهضوا عن مجلس الرسول، إذا أمرتهم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه، {فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: يرفع المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله، والعالمين بها، الجارين على موجبها بمقتضى علمهم، درجات دنيوية وأخروية.
قال الناصر: لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم، خصهم بالذكر عند الجزاء، ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس، تواضعًا لله تعالى. انتهى.
وهذا- كما قاله الشهاب- من مغيبات القرآن؛ لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في رفعة المجالس، ومحبة التصدير.
وفي كلام الزمخشريّ ما يشير إلى أنه من عطف الخاص على العام، تعظيمًا له، بِعَدّه كأنه جنس آخر، كما في: {وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} [البقرة: 98]. ولذا أعاد الموصول في النظم، والمراد بالعلم علم ما لابد منه من العقائد الحقة، والأعمال الصالحة.
تنبيهات:
الأول: في (الإكليل): في الآية استحباب في مجالس العلم والذكر، وكل مجلس طاعة.
الثاني: يفهم من الأمر بالتفسح النهي عن إقامة شخص ليجلس أحد مكانه. فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» رواه الإمام أحمد والشيخان.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم» رواه الإمام أحمد. وفي رواية بلفظ: «لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، لكن افسحوا يفسح الله لكم» تفرد به الإمام أحمد.
قال ابن كثير: وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء، على أقوال: فمنهم من رخص بذلك محتجًا بحديث: «قوموا إلى سيدكم».
ومنهم من منع ذلك محتجًا بحديث: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار».
ومنهم من فصّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكمًا في بني قريظة، فلما رآه مقبلًا قال للمسلمين: «قوموا إلى سيدكم». وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه- والله اعلم- فأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، في فتوى له في ذلك: لم يكن من عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، أن يعتادوا القيام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك. ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قام لعكرمة»، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم»، وكان سعد متمرضًا بالمدينة، وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة. والذي ينبغي للناسالله، عتادوا إتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدى محمد، فلا يعدل أحد عن هدي خير الخلق، وهدي خير القرون، إلى ما هو دونه. وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له ولا يقوم لهم، إلا في اللقاء المعتاد. فأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك، تلقيًا له، فحسن. وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس في حقه أو قصد لخفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك إصلاح لذات البين، وإزالة للتباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة، فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام هو القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار»؛ فإن ذلك أن يقوموا وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه القيام، ولهذا فرقوا بيقعود. قال: قمت إليه، وقمت له. والقائم للقادم ساواه في القيام، بخلاف القيام للقاعد وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعدًا في مرضه، وصلّوا قيامًا أمرهم بالقعود. وقال: «لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا»، فقعودهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد؛ لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهو قعود. وجماع ذلك أن الذي يصلح، إتباع عادة السلف وأخلاقهم، والاجتهاد بحسب الإمكان. فمن لم يعتد ذلك، أولم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاده الناس من الاحترام مفسدة راجحة، فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما. انتهى كلام شيخ الإسلام، رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
الثالث: قال ابن كثير: روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما، أنهم قالوا في قوله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}: يعني في مجالس الحرب. قالوا: ومعنى قوله: {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا} أي: انهضوا للقتال.
وقال قتادة: {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا} أي: دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا بها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجًا من عنده، فربما يشق ذلك عليه، عليه السلام، وقد تكون له الحاجة. فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا، كقوله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور: 28] انتهى.
ولا تنافي بين هذه الأقوال، لأن لذلك، نها تفسير للفظ العام بعض أفراده. وما يصدق عليه إشارة على تناوله لذلك، لا أن أحدهما هو المراد دون غيره، فلذلك ما لا يتوهم. وقد كثر مثل ذلك في تفاسير السلف لكثير من الآي، وكله مما لا اختلاف فيه كما بينّاه مرارًا.
الرابع: في (الإكليل) قال قوم معنى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يرفع الله المؤمنين منكم العلماء درجات على غيرهم، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ففيه دليل على رفع العلماء في المجالس، والتفسح لهم عن المجالس الرفيعة. انتهى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أي: تصدقوا قبل مناجاته، أي: مسارته في بعض شأنكم.
{ذَلِكَ} أي: التقديم.
{خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: لأنفسكم، لما فيه من مضاعفة الأجر والثواب. والقيام بحق الإخاء، بالعود على ذوي المسكنة بالمواساة والإغناء.
{وَأَطْهَرُ} أي: لأنفسكم من رذيلة البخل والشح، ومن حب المال وإيثاره الذي قد يكون من شعار المنافقين، وكأن الأمر بالتصديق المذكور نزل ليتميز المؤمن من المنافق، فإن المؤمن تسخو نفسه بالإيمان كيفما كان، والثاني يغص به، ولو في أضرّ الأوقات. ومعظم أوامر السورة هو التصدق، حثًا للباخلين، وسوقًا للمؤمنين {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا} أي: ما تتصدقون به أمام مناجاتكم الرسول صلى الله عليه وسلم {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن لم يجده، إذ لم يحرجه ولم يضيّق عليه، رحمة منه.
{أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [13]
{أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} أي: أخِفتم، من تقديم الصدقات، الفاقة والفقر؟ توبيخ بأن مثله لا ينبغي أن يشفق منه، للزوم الخلف والإنفاق، لزوم الظل للشاخص بوعد الله الصدق.
{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} أي: ما ندبتم إليه من تقديم الصدقة، وشقّ عليكم، {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بأن رخص لكم أن لا تفعلوا، رفعًا للحرج حسبما أشفقتم، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات، فإن ذلك يكسبكم ملكة الخير والفضيلة، {وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: فيجزيكم بحسبه.
تنبيه:
في (الإكليل): قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} الآية منسوخة بالتي بعدها، وفيه دليل على جواز النسخ بلا بدل، ووقوعه، خلافًا لمن أبى ذلك. انتهى.
والظاهر أن مستند شهرة النسخ ما رواه ابن جرير عن مجاهد قال: قال عليّ رضي الله عنه: إن في كتاب الله عز وجل لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ} إلخ قال: فرضت، ثم نسخت.
وعنه أيضًا قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قدم دينارًا فتصدق به، ثم أنزلت الرخصة فيه.
وعن قتادة أنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار.
وعنه أيضًا قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة فوعظهم الله بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدِّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}